في أبريل/نيسان الماضي، شهد السودان ذكرى مزدوجة: الأولى هي ثورة 2019 التي أطاحت بنظام الرئيس عمر البشير القمعي الذي استمر عقودًا، والثانية هي اندلاع الحرب الأهلية الدائرة عام 2023 والتي عصفت بالبلاد. تحمل هاتان المناسبتان المتناقضتان آمالًا كبيرة وألمًا عميقًا. كما تثيران أسئلةً ملحة: إلى متى سيظل السودان يعاني بينما يبدو أن انتباه العالم مشتت؟ إلى متى ستظل أصوات السودانيين التواقين للسلام والعدالة مهمشة؟
في 11 أبريل/نيسان 2019، أُطيح بالرئيس عمر البشير من السلطة بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والعدالة والسلام. كانت تلك لحظة مفصلية في تاريخ البلاد. فبعد سنوات من النضال والتضحيات، خطا السودان أخيرًا أولى خطواته الكبرى نحو إنهاء عقود من الديكتاتوريات المتعاقبة والصراعات المتداخلة، وبناء مجتمع ديمقراطي، وتحقيق العدالة.
بعد أربع سنوات، وفي نفس اليوم تقريبًا، توقفت فجأةً جهود تحقيق مستقبل سلمي وعادل بقيادة مدنية، وهو ما طالب به السودانيون العاديون خلال الثورة والفترة الانتقالية التي تلتها. اندلعت حرب وحشية أخرى، سرعان ما اجتاحت البلاد بأكملها. وقد جلبت واقعًا مريرًا ومحزنًا، حيث يجد ملايين السودانيين أنفسهم، مرة أخرى، عالقين في خضم قتال ضارٍ، ويتعرضون لانتهاكات حقوق الإنسان على نطاقٍ صادم.
وفقًا للأمم المتحدة، يُمثل السودان الآن أسوأ أزمة إنسانية وأسوأ أزمة نزوح في العالم. فقد أدى العنف على مدار العامين الماضيين إلى مقتل وجرح مئات الآلاف من السودانيين، رجالًا ونساءً وفتيانًا وفتيات. ويحتاج حوالي نصف السكان إلى مساعدات إنسانية، وواحد من كل ثلاثة سودانيين نازح.وقد أُعلنت المجاعة في عشر مناطق، بينما ظهرت تقارير عن إبادة جماعية في البلاد للمرة الثانية خلال عقدين. والأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ من المرجح أن يكون للصراع آثار سلبية طويلة المدى على صحتهم البدنية والنفسية، ونموهم الاجتماعي، وتعليمهم. ومع ذلك، لم تُغطِّ وسائل الإعلام العالمية هذه المأساة المتكشفة على النحو الكافي.
من جانبه، عمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في السودان منذ ما قبل الفترة الانتقالية، داعمًا الشعب السوداني في تطلعاته إلى عدالة انتقالية شاملة تعالج الأسباب الجذرية وعواقب الأزمات المتعددة التي عصفت بالبلاد. في السودان، يجب أن تراعي عملية العدالة الانتقالية هذه تنوع المجتمع، وأن تُسهم في حوار وطني شامل يهدف إلى بناء توافق في الآراء بشأن سبل المضي قدمًا. وقد عزز المركز الدولي للعدالة الانتقالية الحوار الشامل في السودان من خلال تقديم المشورة الفنية للحكومة الانتقالية، وعقد مناقشات استراتيجية تجمع أصحاب المصلحة من جميع المناطق، وعبر مختلف الانقسامات المجتمعية والعرقية والسياسية والأيديولوجية.
كما درب المركز الدولي للعدالة الانتقالية مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة السودانية على قضايا العدالة الانتقالية وأدواتها. ويشمل ذلك الضحايا وعائلاتهم، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، والجمعيات النسائية، والأحزاب السياسية، وجماعات المقاومة، بالإضافة إلى صحفيين، وفنانين، ومعلمين، وأخصائيي الصحة النفسية. ويؤمن المركز الدولي للعدالة الانتقالية بأنه ينبغي أن يكون للسودانيين من جميع مناحي الحياة رأي في مستقبل بلادهم، وأن يكونوا مسؤولين عن أي عملية عدالة انتقالية.
طوال عامين من الصراع، واصلت الجهات المعنية السودانية إعطاء الأولوية للحقيقة والعدالة والإصلاح، مُدركةً أن مظالم الماضي التي لم تُعالج هي ما يُحرك العنف اليوم. وقد أتاح المركز الدولي للعدالة الانتقالية للسودانيين مساحةً للتفكير في دروس الفترة الانتقالية في البلاد، والبدء في وضع استراتيجيات مُبتكرة وتدابير للعدالة الانتقالية. وبينما تستمر الحرب، فإن وضع أجندة بقيادة مدنية لإنهاء الإفلات المُتفشّي من العقاب، وتوفير الإنصاف للضحايا، وكشف الحقيقة، أمرٌ لا يحتاج إلى انتظار. فهذه الأجندة شرطٌ أساسي لبناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز الماضي ومنع دورات العنف المُستقبلية.
في هذه الذكرى المزدوجة المشحونة، يُجدد المركز الدولي للعدالة الانتقالية التزامه بدعم الشعب السوداني في سعيه لتحقيق العدالة والسلام واستعادة الحكم المدني الديمقراطي. ينبغي على المجتمع الدولي، والأكاديميين، والصحفيين، والفنانين، وعامة الناس، ألا يغضوا الطرف عن الوضع المأساوي في السودان. بل يجب أن نتكاتف وندعو إلى حل سياسي يوقف الحرب ويؤسس لعملية عدالة انتقالية شاملة، تُراعي أولويات الشعب السوداني. يستحق السودان اهتمام العالم وتحركًا ملموسًا لإنهاء العنف وتحقيق تطلعات شعبه إلى مستقبل سلمي وعادل وديمقراطي.
_________
الصورة: يتجمع السودانيون أمام المباني الحكومية في الخرطوم للاحتفال بالتوقيع النهائي على مسودة الإعلان الدستوري بين الممثلين العسكريين والمدنيين في 19 أبريل 2019. (صوت أمريكا/ويكيميديا كومنز)