الآمال تتعزز في تحقيق العدالة والمساءلة في سوريا

03/03/2025

إن سقوط نظام الأسد يمثل بداية التحول الذي طال انتظاره في سوريا. وللمرة الأولى منذ عقود، أصبح المجال مفتوحا للحديث بحرية عن العدالة والمساءلة والمصالحة. إنها لحظة مليئة بعدم اليقين والألم، ولكنها أيضا لحظة مليئة بالأمل الهائل.

وبصفتي مواطناً سورياً عمل لمدة عقد من الزمان في مجال العدالة الانتقالية، فإنني أشعر بثقل هذه اللحظة شخصياً. فبعد 14 عاماً، تمكنت أخيراً من العودة إلى الوطن. ومع ذلك، لا يزال الملايين من الناس نازحين، وأجزاء كبيرة من البلاد أصبحت في حالة خراب: المستشفيات والمدارس والأحياء بأكملها اختفت. والعدالة لا تتعلق بالمساءلة الجنائية فحسب، بل تتعلق أيضاً بإعادة بناء سوريا حيث يمكن للناس أن يعيشوا بكرامة.

كيف نضمن عدم محو حقيقة ماضي سوريا؟ كيف نكرم أولئك الذين عانوا ونضمن أن تقود أصواتهم هذا التحول؟ وكيف نخلق مستقبلاً مبنياً على العدالة والمصالحة بدلاً من دورات الانتقام؟ هذه هي الأسئلة التي يتعين علينا الإجابة عليها معًا.

إن سجون نظام الأسد ومراكز الاعتقال والمقابر الجماعية تحمل قصصاً عن أرواح لا حصر لها أزهقت بسبب العنف والقمع. وهذه المواقع ليست مجرد بقايا من الرعب، بل هي أدلة دامغة. والحفاظ عليها أمر ضروري، ليس فقط لمحاسبة الجناة ولكن أيضاً لضمان عدم نسيان الأجيال القادمة. وبدون ذلك، لا يمكن إعادة بناء الثقة، وستظل المصالحة حلماً بعيد المنال.

لقد ناضلت عائلات المفقودين والمعتقلين لسنوات طويلة ضد الصمت الذي لا يطاق. ولم يسعوا فقط إلى الحصول على إجابات، بل إلى الحصول على كرامتهم. ولا ينبغي لنا أن نتجاهل معاناتهم. فهم ليسوا مجرد ضحايا، بل هم البوصلة الأخلاقية لمستقبل سوريا. والعدالة ليست امتيازاً، بل هي حق وضرورة. ولابد من تلبية مطالبهم بالحقيقة والمساءلة من خلال اتخاذ إجراءات ملموسة.

يحلم ملايين النازحين السوريين بالعودة إلى ديارهم، لكن الكثيرين منهم لن يجدوا شيئا عندما يصلون إلى هناك. فقد دمرت منازلهم، وصودرت أراضيهم، وحُطِّمت أوضاعهم القانونية. إن معالجة هذه التحديات ليست اختيارية، بل هي أمر أساسي لتعافي سوريا. ويتعين على الحكومة أن تعطي الأولوية لأمن الإسكان، والحماية القانونية، وجهود إعادة الإدماج، وإلا فإن البلاد تخاطر بالوقوع في دوامة أخرى من العنف وعدم الاستقرار.

إن العدالة ليست حدثاً عابراً، بل هي عملية مستمرة. وهي تتطلب الوضوح والثقة والالتزام الثابت بالحقيقة. ولابد من محاسبة المسؤولين عن أخطر الانتهاكات. ولكن العدالة تعني أيضاً إعادة البناء. إن جراح هذا الصراع عميقة، ولابد وأن يسير الشفاء جنباً إلى جنب مع المساءلة. وبالتالي يتعين علينا أن نبني نظاماً يحقق العدالة، في حين يسمح للناس بالتعافي.

في الأول من فبراير/شباط 2025، حدث تاريخي. فقد التقت عائلات المفقودين والمعتقلين مباشرة مع الرئيس الانتقالي السوري ووزير الخارجية. وأُصِغِت أصواتهم، التي طالما تم إسكاتها، وأُقِر بها أخيرا على أعلى مستويات الحكومة. وطالبوا بالعمل وليس بالأقوال. وتعهدت الحكومة الانتقالية بإنشاء هيئة مخصصة لمعالجة مخاوفهم، في تلك اللحظة بالذات. وأكدت هذه اللحظة ما كنا نعرفه دائما: يجب أن يبدأ التغيير المستدام بتوفير منصة والاستماع إلى أولئك الذين عانوا أكثر من غيرهم.

إن الطريق إلى الأمام في أيدي السوريين. ويتعين عليهم أن يقودوا الطريق. وتتطلب العدالة والمساءلة والمصالحة توجيه المجتمع المدني السوري ومجموعات الضحايا، بدعم من المجتمع الدولي. ولن تكون المهمة سهلة. وسوف تكون هناك انتكاسات وحسابات مؤلمة. ولكن للمرة الأولى منذ سنوات، هناك أمل حقيقي، ليس فقط في سوريا مختلفة ولكن في سوريا أفضل ــ سوريا مبنية على العدالة والحقيقة وتطلعات أولئك الذين لم يستسلموا قط.

_____________

صورة: سوريون يحتفلون بسقوط نظام الأسد في دمشق يوم الجمعة 13 ديسمبر 2024. (حسين عليوي)